القاضي عبد الجبار الهمذاني

132

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : لكم سبيل إلى معرفة ظاهر خبرنا ، بأن نعرفكم ، أو يعرّفكم من يعرف هذه اللغة . قيل له : أليس إذا كان لنا إلى معرفة الشيء طريق ، لم يجز أن نتوقف إلى أن نعرف أمرا آخر ، يجرى مجرى الشبهة فيه ؟ ، فلا بد من نعم ؛ لأنه متى لم يقل ذلك وجب أن لا تقوم الحجة بالأدلة ، لتجويز شبهة يوردها بعض الناس ، أو توجد في بعض الكتب ، وهذا يوجب الشك في سائر المذاهب ، فإذا صح ذلك قلنا لهم : فلنا طريق إلى أن نستدل بالمعجز ، فكيف ننتظر تعرف لغتكم ، في هذا الباب ! وبعد . . فلو كان ذلك الخبر قادحا في المعجز لما صح أن تظهر دلالة المعجز لمن لا يعرف ظاهر ذلك الخبر ، لأن ذلك استفساد لا يفعله الحكيم ؛ ألا ترى : أنه مما إذا جهل وجب تثبيت نبوّة من ليس بنبي ، ومتى عرف لم يجب ذلك ، فكان يجب أن لا يظهر هذا المعنى لمن جهل تلك اللغة ، وفي ظهوره ، وصحة الاستدلال به ، مع الجهل بتلك اللغة ، دليل على فساد قولهم ؛ وأحد ما يقال في ذلك : أن الغلط في اللغة التي لا نعرفها ، كما يقع في المعنى ، بأن يتأوله الناقل على ما يطابق اعتقاده ، فقد يقع من جهة نفس المعرفة باللغة المنقول إليها ، أو المنقول عنها ؛ لأن اللفظة التي هي حقيقة فيهما « 1 » قد يصح [ أن يدخلها الاتساع في أحدهما ، واللفظة المستعملة فيهما قد يصح « 2 » ] أن تكون مجازا في أحدهما ، حقيقة في الآخر ؛ فإذا صح ذلك فمن أين أن القوم لم يغلطوا في نقل خبرهم إلى العربية ؟ . لأن المترجم ، والناقل ، والمفسر يحتاج إلى المعرفة بكلتا اللغتين ، على وجوه مخصوصة ؛ فلو كان خبرهم حقا لكان النقل من لغة إلى لغة قد يؤثر فيه ، ويكون تجويز ذلك مانعا من استدلالهم به ، وما ذكرناه من المعجز أيضا مانعا ، لا محالة .

--> ( 1 ) في « ط » فيها . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .